محمد متولي الشعراوي
3222
تفسير الشعراوى
على التكليف فهو مسير في أمور لا يقدر على الخروج منها ، فلا يستطيع أحد بإرادته أن يتوقف عن التنفس ، وهو - كما نعلم - أحد العمليات التي تجرى على الرغم من الإنسان . ولا أحد يستطيع أن يتنفس عندما ينتهى أجله . كذلك لا أحد يستطيع أن يقاوم المرض إن أصابه . إذن فكبر الإنسان وخروجه عن طاعة اللّه في أشياء لا تعنى أنه خارج في مطلق أموره عن اللّه ؛ لأن الحق فعال لما يريد ، فلا أحد يتحكم في بدايته حين يولد ، ولا أحد يتحكم في نهايته حين يموت ، وهناك أمور بين قوسي الميلاد والموت ما من أحد بقادر على التحكم فيها ، وإرادة الاختيار إنما توجد في بعض الأمور فقط . أما كل ما عدا ذلك فهو قهري ، وكلنا عبيد للّه في ذلك . لكن الحق تعالى أعطى لنا الاختيار في بقية أمور الحياة . والذكي حقا هو من يسأل ربه : لقد خلقتني يا رب مختارا . وماذا تحب أنت أن أفعل ؟ هنا يجد الإنسان نفسه أمام أوامر اللّه ونواهيه وأمام المنهج بمطلوباته ، هذا المنهج الذي يوضح للمؤمن ما الذي يمكن أن يفعله وما الذي يمكن أن يتجنبه . ويقول المؤمن : إنني أخرج من اختياري إلى مرادك يا رب . والعبد الذي يتنازل عن اختياره إلى مراد خالقه هو واحد من العباد الذين وصفهم الحق بأنهم عباد الرحمن . ونرى في حياتنا العادية نموذجا لما يحدث بين رب الأسرة وأفرادها ، فرب الأسرة يقول لأبنائه : أنتم تريدون التنزه ، فأي مكان تحبون الذهاب إليه ؟ يجيب أحد أفراد الأسرة : لنذهب إلى المكان الفلاني . ويجيب آخر : أنت حر في أن تصحبنا إلى أي مكان تريد ، المهم فقط أن تكون معنا . ومن المؤكد أن الذي يقول مثل هذا القول لرب الأسرة ينال منزلة رفيعة في قلبه . فإذا كان هذا يحدث بين إنسان وإنسان مثله فما بالنا بالاستحسان الذي يناله العبد حين يقول ذلك لخالقه الأكرم ؟ لا بد أن ينال منزلة راقية ؛ لأنه قد خرج من دائرة العبيد إلى دائرة العباد الذين قال عنهم الحق : وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً